رشيد البوصيري.. ذاكرة الرجاء وعَيْنُها التي لا تنام غَفَت إلى الأبد

رشيد البوصيري.. ذاكرة الرجاء وعَيْنُها التي لا تنام غَفَت إلى الأبد

غَادر خلسةً وهو لازال منتشيا بالتتويج القاري للرجاء من كينشاسا.. نشاطه الزائد قيد حياته لم يتح الفرصة للأنصار والأقرباء للتفكير في رحيله المفترض رغم مرضه ووعكاته المتكررة، كيف ذلك ومجرّد فكرة ابتعاده نهائيا عن محيط الرجاء البيضاوي وعدم التدخل في تسيير النادي، كانت تقض مضجع أصغر مشجع للرجاء قبل "الحكماء".

هو رشيد البوصيري، من مواليد 3 يناير 1959، نشأ في "سباتة"، هناك حيث التقط إدمان المستديرة عندما داعب الكرة في الحي، اختار أن يكون رجاويا فشب على حب "الأخضر"، إلى أن بلغ عقده الثلاثين، عندما تلقفه اللاعب عبد الرحيم الحمراوي، الذي كان صديقه الحميم، فأصر على إقحامه أسوار النادي عام 88-89 من باب لجنة الشباب في الرجاء آنذاك مع الرئيس محمد أوزال، وعمل مع محمد فاخر حينها الذي كان مشرفا على شبان النادي.

عَاش أيامه الأخيرة مرتبكا، بين غبطة التتويج واكتئاب لم يفارقه لفراق رفيقه عبد اللطيف العسكي، قبل ثلاثة أسابيع فقط، كان عين الرجاء التي لا تنام.. رجل لا يهدأ له بال إلا إذا وقف شخصيا على إتمام كل الأمور الخاصة بالنادي التقنية، اللوجستيكية، وحتى التواصلية، فهو رئيس كل اللجان، بثوب "مجرد مستشار"، نُبِذ من طرف جماهير الرجاء في فترة من الفترات بداعي تدخله في اختصاصات المدربين، لكنه سرعان ما جعل الجماهير نفسها تنحني له احتراما عندما حسم صفقة صعبة لصالح الرجاء، بقدرات إقناعية خارقة بشهادة الجميع.

عميد المسيرين، اشتغل في كل المكاتب التي تعاقبت على الرجاء، منذ 1989، وإن ليس بصفة أو بعضوية المكتب كما في ولاية عبد الحميد الصويري، فمن بعيد، بتوصياته وتحركاته، كيف لا وهو من كان بمثابة "السكانير" الذي يفحص كل اللاعبين الذين مروا من الرجاء منذ التحاقه بالنادي قبل 30 عاما، بداية من مصطفى خالف الذي كان أول لاعب يستقدمه البوصيري إلى الرجاء من فتح سباتة، من ماله الخاص، في صفقة بلغت آنذاك 5000 درهم.

"الرجاوي" الذي عاش مع الرجاء فرحة كل الألقاب الموجودة في خزانته، يعتبر نفسه فأل خير على النادي إذ وبمجرد اختراقه أسوار القلعة "الخضراء"، توج الرجاء بأول لقب قاري (العصبة) مع الجزائري، رابح سعدان، على حساب مولودية وهران، لتبدأ بذلك حكاية الكثير من الأفراح، وحتى الأقراح، داخل القلعة "الخضراء"، علما أن البوصيري قد وسم اسمه في سجل الرجاء عندما أشرف على لجنة المتابعة التقنية رفقة الحاج عبد اللطيف العسكي لأزيد من عشر سنوات.

ولأنه كان مجنونا بحب "الأخضر"، خسر البوصيري جزءًا مهما من إرث والده في سبيل الرجاء، عندما باع المقهى التي كانت رأس ماله المادي الوحيد في الدار البيضاء، فأفلس ليساهم في تذويب مشاكل فريقه المادية، فكثيرا ما كان يصرف مستحقات اللاعبين والموظفين من ماله الخاص.

عِشقه للرجاء جعله مهووسا بأن يكون فاعلاً مهما في مسار النادي، فأبى رشيد إلا أن يترأس بعثة فريق الرجاء "العالمي" إلى البرازيل في أول نسخة لـ"الموندياليتو"، إذ لا يفوت الرجل الفرصة للتباهي بكيف كانت جماهير "السامبا" تتغنى" راخا.. راخا" على حساب ريال مدريد، قبل أن يُشَرْعِن افتخاره هذا بوجوده ضمن الوفد الرجاوي في "موندياليتو" 2013 حين وصل للنهائي، وقارع نجوم "البافاري"، فكان البوصيري يجيبك بتعَالٍ عندما تسأله عن أفضل ذكرياته مع "الخضر": الاستقبال الملكي!

ولأن البوصيري، لم يكن يخشى من إعلان حبه للرجاء بكل الطرق وأمام أي كان.. فقد واجه الرجل ادريس البصري في عز "جبروت" هذا الأخير، عندما كان رئيسا لنهضة سطات "النافذة" في التسعينيات، وحاول "شراء" ذمة لاعبي الفريق "الأخضر" لتفويت نقاط المباراة للـ RSS، فقال له رشيد آنذاك "الرجاء زاوية.. مغاتقدروش تقبروها".

روحه "المشاغبة" المتعصبة بشدة للرجاء، جعلته فريدا في علاقته مع المستديرة التي لم تكن تعنيه في شيء إلا إذا تعلق الأمر بالـ RCA، فهو لا يتعاطف مع البارسا ولا تستهويه الريال، ولا يهتم بمشاهدة مباريات "الليغا" ولا "الكالتشيو" لأن الرجاء بالنسبة إليه هي أصل الحكاية!

المدبرّ الأشوس، مقت الأطباء الذين نصحوه بالابتعاد عن ضغط التسيير داخل الرجاء البيضاوي رأفةً بقلبه الذي لم يكن يحتمل، صرخ في وجه الممرضين بأن حياته والرجاء يعاني في عهد سعيد حسبان تعد عذاب.. فر من المصحة متظاهراً بالتعافي لإتمام مهمة تخليص النادي من المتربصين، وأبى إلا أن يؤجل اعتزاله "الوازيس" إلى أن يتحسن حال "الأخضر"..

قد يعتبره الكثيرون رجلا غادر وكفى.. لكنه في الواقع، "الدينامو" الذي لا تتحرك الأشياء إلا بإشارته، بعد أن يكون قد فكر بعبقرية للفعل أو القول، فالخطط إن هندست بعقل والبوصيري، تصيب!